الشيخ محمد الصادقي الطهراني
146
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وعلى كل أمة لاحقة اتباع شرعتها اللاحقة ، تركا للسابقة صورة ، وتمسكا بها سيرة ، فلم يكن القصد من شرعة بعد شرعة - وهي كلها عن دين واحد - ان تختلق أمم متصارعة طول تاريخ الرسالات ، حيث الاختلافات على اية حال مرفوضة ، والوحدة في كل حال ملحوظة مفروضة « وَلايَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » ( 11 : 118 ) ! : « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ » ( 5 : 48 ) ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاتَتَفَرَّقُوا فِيهِ . . . » ( 42 : 13 ) . فقد أمروا بالتوحد في دين اللّه بشرعته ولكنهم « تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ . . » تقطعا إلى أمم ، وتقطعا في كل أمة إلى مذاهب ، وتقطعا في كل مذهب أيضا إلى مذاهب . . . « تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ » وهو دينهم بشرعتهم ، رغم ان « كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ » في الأولى تكوينا ودينا ، وفي الأخرى خلقا جديدا وجزاء على دين ! امر واحد للّه هو أمرهم ، « ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها . . » ( 45 : 18 ) ولكنهم بديل ان يظلوا تحت ظله متوحدين ، جعلوا أمرهم فرقة وإمرا ، تفرقا في الأهواء ، واختلافاً في الآراء ، وتقسّما في المذاهب ، وتشعبا في الولائج . فقد كانوا حسب وحدة التكوين ووحدة الدين أمة واحدة ، بينهم وسائل متناسجة ، وعلائق متشابكة ، ثم تباعدوا تباعد قطع لتلك العلائق ، وشذب لتلك الوسائل ، فصاروا أخيافا مختلفين ، واوزاعا مفترقين ، واوضاعا مختلقين . وهل من منجى في ذلك البين البائن ، والاختلاف الشائن ، أم كل في شأنهم شائنون ؟ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ 94 . انما الأصل المنجي في هذا البين والبينونة هو عمل من الصالحات على ركيزة الايمان ، جناحان لأي مؤمن يعمل من الصالحات ، يجنحان به عن كل مصيدة ومكيدة إلى سماء الرحمة والرضوان ، فأيا كان الايمان وعمل من الصالحات ، ومن اي كان وأيان « فَلا كُفْرانَ